ابراهيم بن عمر البقاعي

172

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان هذا القول محزنا اعتقاده وكتمانه علق سبحانه وتعالى بقوله : « قالُوا » وبانتفاء الكون كالذين قالوا قوله : لِيَجْعَلَ اللَّهُ أي الذي لا كفوء له ذلِكَ أي القول أو الانفراد به عن مشارك حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ أي باعتقاده وعدم المواسي فيه ، وعلى تقدير التعليق ب « قالوا » يكون من باب التهكم بهم ، لأنهم لو لم يقولوه لهذا الغرض الذي لا يقصده عاقل لكانوا قد قالوه لا لغرض أصلا ، وذلك أعرق في كونه ليس من أفعال العقلاء وَاللَّهُ أي لا تكونوا مثلهم والحال . أو قالوا ذلك والحال . أن الذي له الإحاطة الكاملة يُحْيِي أي من أراد في الوقت الذي يريد وَيُمِيتُ أي من أراد إذا أراد ، لا يغني حذره من قدره وَاللَّهُ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما بِما تَعْمَلُونَ أي بعملكم وبكل شيء منه بَصِيرٌ * وعلى كل شيء منه قدير ، لا يكون شيء منه بغير إذنه ، ومتى كان على خلاف أمره عاقب عليه . ولما نهاهم عن قول المنافقين الدائر على تمني المحال من دوام البقاء وكراهة الموت بيّن لهم ثمرة فوات أنفسهم في الجهاد بالموت أو القتل ليكون ذلك مبعدا لهم مما قال المنافقون ، موجبا لتسليم الأمر للخالق ، بل محببا فيه وداعيا إليه فقال : وَلَئِنْ وهو حال أخرى من لا « تَكُونُوا » قُتِلْتُمْ أي من أية قاتل كان فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي الملك الأعظم قتلا أَوْ مُتُّمْ أي فيه موتا على أية حالة كانت . ولما كان للنفوس غاية الجموح عن الموت زاد في التأكيد فقال : لَمَغْفِرَةٌ أي لذنوبكم تنالكم ، فهذا تعبد بالخوف من العقاب مِنَ اللَّهِ أي الذي له نهاية الكمال بما كنتم عليه من طاعة وَرَحْمَةٌ أي لأجل ذلك ، وهو تعبد لطلب الثواب خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * أي مما هو ثمرة البقاء في الدنيا عند أهل الشقاء ، مع أنه ما فاتكم شيء من أعماركم . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 158 إلى 161 ] وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ( 158 ) فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( 159 ) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 ) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 161 ) ولما ذكر أشرف الموت بادئا بأشرفه ذكر ما دونه بادئا بأدناه فقال : وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ أي في أي وجه كان على حسب ما قدر عليكم في الأزل لَإِلَى اللَّهِ أي الذي هو متوفيكم لا غيره ، وهو ذو الجلال والإكرام الذي ينبغي أن يعبد لذاته . ودل على عظمته بعد الدلالة بالاسم الأعظم بالبناء للمجهول فقال : تُحْشَرُونَ * فإن كان ذلك